السلامُ عليكم عزيزي القارئ !
تخيّل معي، في منزلٍ ما من هذا العالم، اطفالًا يرتجفون كلّما سمعوا صوتَ مفتاحِ عودةِ أبيهم يدخلُ الباب !
وتخيّل معي، في غرفةٍ أخرى، فتاةً تنامُ محرومةً من رائحةِ حُضنِ أمِّها؛ لا لأنّ الموتَ اختطفها، ولا لأنّ المسافاتِ أبعدتها، بل لأنّها، رغم وجودها خلف البابِ المقابل، لم تمنح ابنتها ذلك الدفءَ يومًا !
أعرّفك، عزيزي القارئ، إلى أيتام الأحياء؛ أولئك الذين كبروا دون قبلةِ صباحٍ، ودون حُضنٍ يبدّدُ خوفَ الليل، ودون يدٍ تربّت على أكتافهم أو تُصفّق لإنجازاتهم ..
موضوعُ الاهل وخصوصًا في مجتمعاتنا عقليًا كبيرٌ جدًا ..وذلك بعدما اثبتت الدراسات أنَّ اغلب المشاكل النفسية و العقد التي تُعشش في باطن الانسان ٩٥٪ مِنها سببها “الاهل” و اساليبهم الغير سوية في التربية ..
لا يُلام عزيزي القارئ ، الانسانُ ابدًا ، على ايّ ردة فعلٍ تصدر مِنه تحت وطأة اهله ، حالات الهلع ، اكتئاب شديد ، دمار نفسي ، انعدام الشغف و الرغبة ، ولا يمتلك احدًا الحقّ ، بالتساهل مع هذا الموضوع و المشاعر و الاضطرابات التي يسببها
وان كان اهمال الاهل الزائد يتركُ ندوبًا كبيرةً في قلوب ابنائهم ، فالاهتمام الزائد يترُك بدوره آثارًا لا تقلّ خطورتها عن هذه الندوب
فالأولُ يخلقُ لنا انسانًا خائفًا ، مضطربًا ، جائع عاطفيًا
و الثاني يخلقُ لنا انسانًا نرجسيًا ، لا يعرفُ الاعتماد على ذاته ، غبيّ اجتماعيًا
الاهل عاملٌ كبير جدًا في تكوين حياة الانسان و شخصيته
اولًا : -بعيدًا عن العواطف
المُلام الاول هو الاهل ، ولا شكَّ في ذلك ، و الابناء هُم الضحايا ، ولا شكَّ في ذلك !
لكن يا عزيزي القارئ ، اريد ان اُشدد على فكرة مهمة ، وهي انَّ الاهل ، هُم بشر قبل ان يكونوا اهل
الاب الظالم كان يومًا طفلًا ! هو بدوره عاشَ صراعات مع اهله ، هو بدوره في باطنه تُعشش اضطرابات و امراضٍ ومشاعر لم يستطع فهمها و ترجمتها ، حتى ظهرت ملامحها على وجهه و تصرفاته و حركاته
الام الظالمة هي بدورها لم تولد قاسية ! ربما كانت طفلةً انتظرت طويلًا حضنًا لم يأتِ، أو كلمةَ تقديرٍ لم تسمعها، أو شعورًا بالأمان لم تعرفه قط. فكبرت وهي تحملُ فراغاتها الخاصة ،
إنَّ الجراحَ التي لا تُعالَج لا تختفي، بل كثيرًا ما تنتقل من جيلٍ إلى جيل ! ولهذا، فإنَّ فهمَ معاناةِ الأهل لا يعني تبريرَ أفعالهم، كما أنَّ إدانةَ أفعالهم لا تعني إنكارَ معاناتهم ! فبعضُ الضحايا , حين لا يواجهون آلامهم، يتحوّلون إلى مصدرِ ألمٍ لغيرهم
وهكذا تستمرُّ الدائرة؛ طفلٌ مجروحٌ يصبحُ أبًا مجروحًا، وأبٌ مجروحٌ يخلّف طفلًا جديدًا يحملُ الجرحَ ذاته
طيب كيف نضعُ حدًا لهذه الدائرة ؟
الذين علّموك الألم، لن يعلموك التعافي
رُبما اقسى حقيقة سيكتشفها الابناء هي ان الاعتذار الذي ينتظرونه لن يأتي ابدًا ! وان اتى فلا قدرة لَه على شفاء ما في داخلهم من صراعات
و عن لسان الدحيح
مهما كان مصدر مشاكلك ، فهي مشاكلك ، مسؤوليتك انت ! الحياة مش عادلة ، تمام ، احيانًا بيكون مطلوب مننا نتحمل مسؤوليات ما طلبناهاش و نصلح اللي ما بوظناهوش
انت ! المسؤول الوحيد عن اصلاح نفسك ، ليست العلاقات العابرة من ستشفيك ، ولا اغاني راديوهيد و الدادي ايشوز ، ولا مقاطع التيك توك التي تُغذي عقلية الضحية ، واهلك لن يصبحوا ملائكة السماء في ليلة و ضحاها
وإيّاك ثم إيّاك، عزيزي القارئ، أن تجلس في منتصفِ الطريق، تُراكم جراحَك كأنها تبرير للتوقّف، وتُعلّقُ عقدَك وكسورَك واضطراباتِك على مشجبِ الآخرين، منتظرًا من سبّبوا كلَّ ذلك أن يعودوا بالاعتذار أو الندم
ولا تبحث عن الاهتمام مِن الخارج ! فالرجل الذي سيُعطيكِ شعور احتواء الأب ، سيُعطيه حجّة ليؤذيكِ وللتحكم بِك ، و المرأة التي ستُعطيك الحنان الذي فشلت امك بتقديمه لك ، رُبما سترحل
تعلّم ان تكتفي بذاتك ، ان تجلسَ و تداوي نفسك و ان تكون المُتحكم بمشاعرك ولا تجعلها المُتحكمة بِك
سامح اهلك و تقبّل اضطراباتهم و أمراضهم لمصلحتك الشخصية و لراحة بالِ عقلك و جهازك العصبيّ ،
تأقلم ، لأنَّ علاقة الاهل العلاقة الوحيدة التي لا نختارها و لا نستطيع اخراج اثارها من حياتنا
تعامل معهم على اساسِ ان فاقد الشيء لا يُعطيه
قد يكون والدك لم يكبر على سماع كلمة «اشتقتُ إليك» أو «أحبك»، لذلك من الطبيعي ألا يردّد هذه الكلمات، لأنه لم يتعوّد أن يراها مهمّة أو أساسية ! وكذلك والدتك، ربما لم ينشأ أهلها على المدح أو كلمات التقدير مثل «أحسنتِ» أو «أنتِ جميلة»، لذلك من الطبيعي ألا تُعبّر عنها لك.
لهذا، تتوقّف أنت عن انتظار أشياء من أشخاص لم يعرفوا أصلًا أنهم بحاجة إليها.
والحقيقة أن حياتك تتغيّر بشكل جذري حين تتصالح مع هذه الفكرة.
هم لن يتغيروا، كما كانوا سيبقون ، لكن الذي سيتغير هو وعيك أنت بهم، وإدراكك لسبب تصرّفاتهم، وفهمك لما افتقدوه هم أنفسهم وهذا الفهم يجعلك تعرف ما تحتاجه فعلًا، حتى لا تبحث عنه خارج بيتك يومًا ما، وحتى تكون أنت يومًا مختلفًا، إن صرتَ أبًا او صرتِ اما ، فلا يضطرّ أبناؤك للبحث عن الحب والاهتمام في مكانٍ آخر..
كونوا اسياد حياتِكم اعزائي
و السلام عليكم !



احب كتاباتك بشكل ، لاتوقفين ابدًا وبكون داعمه دائمه لك 🩷
سُلمت يداكِ يا آنسة على هلأبداع،چنت احتاج هيج كلام جدًا