السلام عليك عزيزي القارئ ،
إلهي علمتُ باختلاف الآثار وتنقّلات الأطوار أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتى لا أجهلك في شيء
-من دُعاء سيد شباب اهل الجنة يوم عرفة
يا رب، عندما رأيتُ التغيّرات الكثيرة في العالم، ورأيتُ كيف تنتقل المخلوقات من حال إلى حال، فهمتُ أنك تريد مني أن أتعرف إليك من خلال هذه الأشياء كلها، فلا أبقى جاهلًا بك
احببت ان استدّل بهذا الدعاء ، لافتتح مقالتي ، لعلّه من اكثر المقاطع فلسفيةً و علمًا و معرفةً بالله سبحانه و تعالى ، و لعلّه من ابلغ الكلام وصفًا لعظمة الله بعد وصف القرآن الكريم
وسأشرحه خطوة خطوة ؛
١-الآثار
ما المقصود باختلاف الآثار ؟
الأثر هو الشيء الذي يدل على وجود مؤثر
فالدُخان اثره النار ، و الكتاب اثر صاحبه ، و البصمة اثر صاحبها ، وهكذا
امّا اختلاف الآثار ، فهي اختلاف المظاهر الموجودة في الكون ، فهذا العالم بأسره يعيش في حالة تبدل وتنوّع دائم ، فالسماء تتعاقب عليها حالات الليل والنهار ، و البحار تشهد المدّ و الجزر و حال الانسان يتغير و يتنقل من الصحة الى المرض ، من الرزق الى الفقر ، و كذلك الامر لسائر المخلوقات
٢-الاطوار
ما المقصود بتنقلات الاطوار ؟
الطور يعني المرحلة
كل كائن في عالم المادة يشهد اطورًا في مسيرة تكوّنه ، فالفراشة كانت يرقة ، و الانسان خُلق من ترابٍ ، ثم نطفة ثم اصبح جنين ، و مر بالعديد من المراحل حتى اكتمل وجوده الانسانيّ
وهذا ما يدفع الانسان الى طرح السؤال
من الذي يُدير هذه المراحل؟
من الذي يحوّل خلية صغيرة إلى إنسان كامل؟
من وراء كل هذا؟
فتقوده فطرته إلى الإقرار بوجود خالق حكيم أوجدها ونظّمها ، ومن هنا يستدلّ العقل من المخلوقات على خالقها وهو ما يُعرف بالاستدلال الإنّي أي الانتقال من الأثر إلى المؤثّر
ولأوضح لك اكثر ؛
اذا دخلت غرفةً ووجدت طعامًا على الطاولة او اضواءً مشتعلة ، ستستنتج تلقائيا وجود شخصٍ في الغرفة
لم ترى الشخص مباشرة لكنك استدللت عليه من آثاره
فالنظام في الكون و القوانين الدقيقة و الحياة
كلها آثار تدل على وجود خالق
هل الله يريد أن نعرفه لأنه محتاج إلينا ؟
لا!
إنَّ الله في العقيدة الاسلامية كامل ولا يحتاج الى احد
لذلك عندما يُقال “مرادك مني” فلا يعني ان الله يستفيد شيئًا من معرفتنا له ، بل فعليًا نحن المستفيدون
إنّ إظهار الله تعالى لهذه الآثار والأطوار إنّما هو سبيل لتعريف عباده به وتنبيههم إلى وجوده لا لأنّه محتاج إلى معرفتهم أو منتفع بها فهو سبحانه غنيّ عن خلقه كلّ الغنى فإرادته تعالى ليست بمعنى الحاجة أو الطلب بل هي فعله وإيجاده للموجودات ومن خلال هذا الفعل تتجلّى حكمته وقدرته
ما الغاية من أن نتعرف إلى الله ؟
النص يُجيب
“حتى لا نجهله”
لكن لماذا هذا مهم؟
لأن معرفة الله هي أساس الدين كله
واستدل هُنا بقول ابا حسنٍ
“أول الدين معرفته.”
قبل الصلاة والصيام والأعمال كلها يجب أن يعرف الإنسان من هو ربه
وتتحقّق معرفة الله للإنسان من خلال التأمّل في الآفاق والأنفس كما أشار القرآن الكريم بقوله تعالى :
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
فالإنسان إذا تأمّل في نفسه وما أودع الله فيها من أسرار وإبداع او نظر إلى الكون بما فيه من نظام ودقّة وانسجام أدرك عزيزي القارئ أنّ وراء هذا الإتقان خالقًا حكيمًا
أنّ كلّ ما يحيط بالإنسان يمكن أن يكون سبيلًا إلى معرفة الله تعالى لمن أحسن النظر وأعمل عقله وقلبه فتتحقّق الغاية الأسمى وهي التعرّف إلى الله وعدم الجهل به
ونهايةً ، متى غبت حتى تحتاج دليلًا كي يدُل عليك ؟
يا موجودًا في كل مكان
بين اغصان الشجر
و في كُل نسمة هواء
في ممر المستشفى البارد
جنب سرير المريض
و كُرسي ذاك المُبتلى
وتسمعُ بكاء عجوزٍ لا يقوى رفع يديه
في القلبِ و الروحِ
تُتابِع رمشَ جفونِنا
وتسمعُ خفق دُعائنا قبل ان ننطِقه
حاشاك ما غبت ابدًا ، ابدًا
والسلام عليكم



👏🏼
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
عزيزتي الكاتبة ❣️
أستمتعت جداً لقارئة وإثراً عقليّ بكلماتك العذبه وإختيارك للموضوع 🫶🏻